مؤسسة الثقافة العربية

مؤسسة الثقافة العربية

معرفة وتنوع وحوار

عرض تقديمي

في استعراض تاريخ البشرية، لا يجد المرء عناء في استنتاج أنها تأريخ للتفاعل المستمر بين الأفراد والمجتمعات البشرية على اختلاف عاداتها وتقاليدها، وفي المحصلة، تفاعل بين الثقافات المختلفة. على الرغم من وجود أصل مشترك للجنس البشري، فإن الاختلافات في أسلوب حياة الناس يجعلها تصنف على شكل جماعات مختلفة: عرقيا ودينيا وثقافيا وإقليميا ووطنيا وقاريا.

وعكس كونها عاملا من عوامل الصراع أو النزاع، كانت الاختلافات دائما المحرك للتبادل المثمر للمعارف والمهارات والاختراعات، في تكامل غير واع في معظم الحالات، أسفر عن أعظم الإنجازات البشرية في نضالها المستمر ضد كل العوامل التي تهدد وجودها .

ومع ذلك، يرى البعض أن هذه الاختلافات بين المجتمعات والأفراد المختلفة كانت السبب، على حد زعمهم، في العديد من الأحداث المؤسفة مثل الحروب والاضطهاد والنفي، بل وصلت حد التصفية الجسدية للآخر عن طريق القتل أو الإبادة الجماعية .

ومع ذلك، فإن التحليل الدقيق لأكثر الأحداث المروعة في تاريخ البشرية يؤدي إلى استنتاج عميق: ما يدفع الإنسانية إلى الصراعات والنزاعات ليس مجرد الاختلاف الطبيعي في أنماط الحياة، بل هي الرغبة في السيطرة على الآخر والتحكم بموارد العيش بكل أنواعها.

وبالمقابل، فإن الاتصال والاحتكاك بين بني البشر، بشكل فردي أو جماعي، هو أفضل وسيلة لشحذ الذكاء والقدرات عند التعايش جنبا إلى جنب مع الآخرين، للاستفادة مما يعتبر مفيدا بين اختراعاته والحلول التي يقترحها لحل الصعوبات التي تعترضه في الحياة. في مرآة الآخر، يرى المرء بوضوح الجوانب الإيجابية منها والسلبية، التي لا يمكن أن يلاحظها أبدا بطريقة أخرى .

هذا ويعد الاتصال بين الناس من خلفيات مختلفة، حتى إن حدث ذلك داخل المجتمع الواحد، العلاج الأكثر فعالية ضد الثقة الزائفة في النفس التي من شأنها أن تتولد عن الانكفاء على الذات أو على جماعة ضيقة منسجمة، والتي تنجم عن نظرة أحادية البعد للحياة وتقلباتها. نظرة يمكن وصفها بالعادة السيئة للبشرية، والتي خلفت تركة فظيعة في شكل نظريات وممارسات تحت مسميات كثيرة للعنصرية وكراهية الأجانب ومعاداة الإسلام، الخ.

وبالتالي فإن انتقال الناس بعيدا عن وسطهم المعتاد طواعية، للسفر أو الهجرة، أو اضطرارا عند الملاحقة أو النفي القسري. في كلتا الحالتين فإنها يمكن أن تسهم في إثراء كبير للشخصية.

وفي العصر الذي نعيش فيه، يمكننا أن نتحدث عن ظاهرتين تتزامنان غير أنهما تبدوان متناقضتين: نحن نعيش بالتأكيد العصر الأكثر ملاءمة للاتصال بين البشر فالتقدم التكنولوجي في وسائل النقل

والاتصال تشهد طفرة هائلة كما لم يحدث من قبل في التاريخ وتساهم في تقصير المسافات على حد سواء المادية والعاطفية .

ومع ذلك، فالإنسانية غارقة في صراعات ضخمة ووهمية حول الهويات الضيقة تذكرنا بعصر الكهوف، التي تتلخص أن الاختلافات الثقافية، بدلا من أن تكون مبادئ التعايش، تجعل الناس يواجهون بعضهم ويقومون بتهجير أو إبادة أشخاص وجماعات وثقافات بأكملها.

وفي الآونة الأخيرة، قامت عدة مبادرات على المستوى الدولي لمواجهة “حوار الحضارات” البراق الذي توحدت حوله العديد من النوايا الحسنة، لكن ثبت مع مرور الوقت أن ثمة بعض القوى والمجموعات الفكرية التي سخرت منها بدعوى أنها “ساذجة” و “مثالية” في حنين واضح لمواصلة فرض الهيمنة من منطلق المكانة المتقدمة التي يشغلونها في مجال القوة المادية.

وبالتالي، فإن أي محاولة للتفاعل السليم بين الحضارات والثقافات المختلفة تتطلب تحقق عدة مبادئ:

  • مبدأ الاعتراف المتبادل الكرامة للجميع والاحترام المتبادل .
  • تبني نظرة نسبية، لكن ليست شفافة لرؤيتنا للعالم، مع الاستعداد للقيام بنقد ذاتي جدي وعميق بناء على ذلك، لكن دون أي إكراه على المساس بمبادئها التي تعتبرها غير قابلة للتغيير.
  • في نفس الوقت، الاستفادة من القواسم المشتركة وهي قواسم كثيرة وواسعة وذات طابع إنساني في الغالب تتجاوز حدود الثقافات والخصوصيات.
  • مناقشة نقاط الاختلاف بهدوء دون محاولة حسمها نهائيا بل جعل حدودها أوسع ما يمكن للتعامل معها وفق أكبر قدر ممكن من النسبية.
  • غني عن القول أن نقطة الانطلاق يلزم أن تكون عدم وجود نية أو رغبة في الهيمنة أو فرض وجهة النظر الخاصة للقضايا على الآخرين بأي ثمن.

من هذا المنظور في حالة إسبانيا اليوم، هناك العديد من السمات الخاصة التي تشجع عملية التلاقح هاته: ماض مجيد مشترك يمثل فخرا لإسبان والعرب على حد سواء. لقد مثلت الأندلس وما تزال، بلا شك، فترة ذهبية ليس فقط في تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية بل تتمتع بموقع متميز في تاريخ الإنسانية عموما، وهي الفترة التاريخية التي جسدت قمة في مجال قيم التعايش بين مختلف مكونات المجتمع وما تزال مثالا يحتذى إلى اليوم.

وعلاوة على ذلك، فإن وجود عدد كبير من المواطنين الجدد ينتمون إلى العالم العربي يعيشون اليوم في إسبانيا، نتيجة للهجرة في العقود الثلاثة الماضية، يجعل تحديات التعايش والتفكير فيه ودعمه من القضايا الاجتماعية والفكرية الملحة.

صحيح، هناك الآن عدد من الهيئات التي تؤدي هذه المهمة النبيلة والضرورية. غير أن مؤسسة للثقافة العربية تود تنويع فعالياتها بحيث فوائدها يمكن أن تصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس من أجل الفهم المتبادل مفيد وسليم، ليس فقط على المستوى الرسمي، بل أيضا على المستوى الشعبي.

وفقا لذلك، فإنه يهدف إلى منح الأولوية لمبادرات الأفراد أو الكيانات التي تعزز التكامل، وخاصة تلك التي تقوم بها النساء والفتيات وتقديم كل الدعم لهن لتحقيق أهدافه.

ومن جهة أخرى، تسعى إلى دعم المقاربات الجادة والبناءة للعلاقات الثقافية، بعيدا عن الإثارة والغريبة والاختزالية للتنوع وإضفاء الطابع الفلكلوري الجامد، بل نظرة دينامية للتراث الثقافي في مناطق مختلفة من البلد نفسه، وبين بلد وآخر .

وعليه، يمكن سرد قائمة الأنشطة التالية دون ادعاء الإسهاب، والتي تهدف إلى تغطية مجموعة واسعة من الأنشطة والجماعات التي تشجع التعايش :

– نشر الثقافة: تنظيم جميع أنواع الأنشطة الثقافية الهادفة للتعريف بالتنوع الثقافي للمجتمعات العربية من ندوات حول الثقافة العربية، وتقديم كتب ومجموعات شعرية وحلقات للنقاش ومعارض فنية ومهرجانات سينمائية، ورحلات ثقافية، و تنظيم المعارض والحفلات الموسيقية والندوات والأفلام والمهرجانات، الخ. للقيام بذلك، يمكنك الاعتماد على مشاركة كل أنواع الهيئات غير الربحية، والمؤسسات العامة أو الخاصة .

– الأنشطة الفكرية: تنظيم ندوات وحلقات فكرية لمناقشة القضايا المتعلقة بالحوار بين الثقافات بين الدول العربية وإسبانيا، وكذا القيام بنشر جميع أنواع المطبوعات المتعلقة بالموضوع مثل الروايات والدواوين الشعرية ومضامين مسموعة أو مرئية، الخ.

– التعليم: تنظيم دورات وورش عمل لتعلم اللغة العربية، و يمكن أن يكون ذلك بتعاون مع هيئات غير الربحية مثل الجمعيات والمؤسسات والإدارات العامة.

-التعاون مع الأفراد أو الجماعات أو المنظمات الخاصة والعامة غير الربحية التي تسعى لتحقيق نفس الأهداف، وطنيا ودوليا.

تنظيم مهرجانات الثقافة العربية في إسبانيا ومهرجانات لمواضيع معينة ومهرجانات والحفلات لصالح الأعمال الخيرية .

-الدفع بمبادرات للتقارب الثقافي بين دول العالم العربي وأمريكا اللاتينية في إسبانيا ومبادرات التنمية المشتركة في البلدان المجال الثقافي .

– منح جوائز سنوية للأفراد والمؤسسات التي تساهم في نشر الثقافة العربية .

– تنظيم ودعم الدراسات واستطلاعات الرأي والبحوث لنشر الثقافة العربية.

– دعم وإنشاء مدارس ومعاهد تعليم اللغة والثقافة العربية .

وبالتالي، تهدف مؤسسة للثقافة العربية للمساهمة في القيام بهذه المهمة المواطنة لدعم التقارب الثقافي والحضاري بين الشعب الاسباني والشعب العربي، على أساس اعتزاز كل من الطرفين بالتنوع الداخلي و الرغبة في معرفة الآخر بأفضل طريقة ممكنة، في سبيل التعايش السلمي والمنفعة المتبادلة .